أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
418
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في سورة الحديد « 1 » وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى . قوله « أَجْراً » في نصبه أربعة أوجه : أحدها : النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه ؛ لأن معنى « فَضَّلَ اللَّهُ » آجر . الثاني : النصب على إسقاط الخافض أي : فضّلهم بأجر . الثالث : النصب على أنه مفعول ثان ؛ لأنه ضمّن « فَضَّلَ » أعطى ، أي : أعطاهم أجرا تفضّلا منه . الرابع : أنه حال من « دَرَجاتٍ » . قال الزمخشري : « وانتصب « أَجْراً » على الحال من النكرة التي هي « دَرَجاتٍ » مقدّمة عليها » وهو غير ظاهر ؛ لأنه لو تأخّر عن « دَرَجاتٍ » لم يجز أن يكون نعتا ل « دَرَجاتٍ » لعدم المطابقة ، لأنّ « دَرَجاتٍ » جمع ، و « أجر » مفرد . كذا ردّه بعضهم ، وهي غفلة ، فإنّ « أَجْراً » مصدر ، والأفصح فيه أن يوّحّد وذكّر مطلقا . قوله تعالى : دَرَجاتٍ : فيه ستة أوجه : الأربعة المذكورة في « درجة » . والخامس : أنه بدل من « أَجْراً » . السادس : - ذكره ابن عطية - أنه منصوب بإضمار فعل على أن يكون تأكيدا للأجر كما تقول : « لك عليّ ألف درهم عرفا » كأنك قلت : أعرفها عرفا ، وفيه نظر . و « مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً » عطف على درجات ، ويجوز فيهما النصب بفعلهما أي : وغفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ : « تَوَفَّاهُمُ » يجوز أن يكون ماضيا ، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفعل لأن التأنيث مجازي ، ويدل على كونه فعلا ماضيا قراءة « توفّتهم » « 2 » بتاء التأنيث ، ويجوز أن يكون مضارعا حذفت إحدى التاءين منه ، والأصل : تتوفاهم . و « ظالِمِي » حال من ضمير « تَوَفَّاهُمُ » والإضافة غير محضة ، إذ الأصل : ظالمين أنفسهم . وفي خبر « إنّ » هذه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه محذوف تقديره : إنّ الذين توفّاهم الملائكة هلكوا ، ويكون قوله : « قالوا : فيم كنتم » مبيّنا لتلك الجملة المحذوفة . الثاني : أنه « فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ » ودخلت الفاء زائدة في الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط ، ولم تمنع « إِنَّ » من ذلك ، والأخفش يمنعه ، وعلى هذا فيكون قوله : « قالُوا : فِيمَ كُنْتُمْ » إمّا صفة ل « ظالِمِي » أو حالا للملائكة ، و « قد » معه مقدرة عند من يشترط ذلك ، وعلى القول بالصفة فالعائد محذوف أي : ظالمين أنفسهم قائلا لهم الملائكة .
--> ( 1 ) انظر الآية ( 10 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 3 / 334 ) .